Showing posts with label Christ. Show all posts
Showing posts with label Christ. Show all posts

Friday, April 18, 2014

نعم، لقد مات الله...حقاً، إنما قام!

نقف نحن المسيحيون، في كلِّ العالم، خلال اﻷسبوع العظيم المقدس، خارج عالمنا وزماننا، أمام الصليب، نتذكر الله، نتأمل المسيح، نتوجع بآلامه، نلوم يهوذا وبيلاطس والكهنة والجنود، نمدح الله الذي أعطانا الخلاص... 
ثم نعود أدراجنا، بعد الاحتفال بالقيامة، نعيش في عالمنا وزمننا، نصنع مسحائنا، نسجد ﻷصنامنا... 
ولكننا لا ندرك إن الصليب كان منذ اﻷزل ويبقى إلى اﻷبد... هذا اﻷسبوع ليس إلا ملء الزمان الذي أراد فيه الله أن يرينا آلامه وحياته، فدخل تاريخنا وأدخلنا إلى قلبه...
الصليب والقيامة، بل أسبوع الآلام كله، حقيقة يحياها الله كل حين...
ألا نستقبل الله مهللين وفرحين ثم ننقلب عليه؟
ألسنا نترك ينبوع المياه الحي ونحفر آبار مشققة؟
ألا نسلم روحنا إلى الموت؟
ألا نهتف "لا ملك لنا إلا قيصر" صانعين أصنام زائفة؟ 
ألا نتسائل دوماً "ما هو الحق" محاولين الوصول إلى حكمة وطالبين آية؟
ألا نختار بارأبا (ابن اﻵب) ظانين إنه خلاصنا وصانعين مسحاء كذبة؟
ألا نصيّر حقيقتنا التي على مثال الله خطيئةً، فننفصل عن الله ونصرخ "إيلي إيلي لما شبقتني"؟
ألا نتحدى الله طالبين منه أن يصير إله أمر واقع؟
ألا نقسم الله ونقترع على حقيقته؟
ألسنا نطلب قتل الله؟ ألم نقتل الله في قلوبنا، نحن القتلة أبناء القتلة؟
نعم، لقد مات الله...
حقاً، إنما قام!
فإن وحدها الضحية قادرة على الصفح... وحده الله قادر أن يقوم ويصفح... وحده الصليب يدل على جدية حب الله وصفحه لنا...
وحده الله يحيا دائماً... وحده الله يتألم في كل حين... وحده الله يقبل قتلنا ويحوله إلى حياة... 
وحده الله ملك قيصر...
وحده الله مسيح حقيقي...
وحده الله ينبوع ماء حي لا ينضب...
وحده الله إله حرية...
وحده الله يوحد...
ووحده المسيح مات... 
حقاً إنما قام!
قام المسيح وتعجب الملائكة...
قام المسيح ووطئ الموت...
قام المسيح وصرعت الجحيم...
قام المسيح وأعطانا الحياة...
فلسنجد لقيامتك أيها المسيح في اليوم الثالث!
سامر حنا
القاهرة في الجمعة العظيمة 18/4/2014

Wednesday, January 08, 2014

عصر جديد - تعليق شخصيّ على الأقوال المنسوبة للبابا فرنسيس

نحن في عصر "تحطيم أصنام" جديد... وقد دخلنا هذا العصر عندما بدأ الشباب يجاهرون بأفكارهم ومعتقداتهم، بدأت بشكهم في تعاليم تعلموها قديمًا... وخطر هذا العصر هو عدم التفكير مليًا في كلِّ ما يعرض علينا من أفكار وفلسفات جديدة، قد تبدو شهيّة ومقنعة جدًا... في حين إنّها لا تختلف عن غواية الحيّة قديمة، نصفها فقط حقيقيّ والنصف الآخر كذب! ومن المعروف في قواعد التفكير المنطقيّ، إنّ أي إثبات يناقض ذاته، أو يحتوي على خطأ هو إثباتٌ خاطئ غير صحيح.
هذا العام شهد انتخاب بابا جديد كخليفة لبطرس على كرسي روما. ومنذ اللحظة الأولى التي ظهر فيها البابا الجديد، عرف الجميع اختلافه. فاختلافه بدأ باختياره اسم "فرنسيس" ليكون أول بابا يحمل هذا الاسم، وبظهوره منحنيًا أمام شعبه، ووضح في ملابسه وسيارته وعاداته، وتجلى في تصريحاته المحبة والمتسامحة على غرار سيده ومعلمه يسوع المسيح.
إلا أنّ كثيرين أساؤوا فهمه في كثير من الأحيان، مما سبب بعض الرفض له من بعض المؤمنين، والكثير من التشويه من غير المؤمنين. البابا ليس سوى مسيحيّ يحاول الاحتذاء بالمعلم الأوّل يسوع المسيح. فمثلاً نجد في أعماله محبة وشفقة ورحمة للفقراء والمرضى والضعفاء، ونجد تسامح مع الخاطئين والشواذ وغيرهم. إلا أنّ هذا التسامح، الذي أسيء فهمه، ليس إلا تقليد للرب الذي يحب ويسامح الخاطئ ويبغض الخطيئة ولا يتساهل معها.
أمّا بخصوص الأقوال المنسوبة إليه مؤخرًا، فأريد توضيح أكثر من نقطة.
أولاً، المقال نُشر في مدونة تعلن صراحةً أنّها للمتعة الشخصيّة وليست حقيقيّة مئة بالمئة.
ثانيًا يدعي صاحب المقال إنّه تم عقد مجمع فاتيكانيّ ثالث، وهذا لم يحدث. ولم يعرب الفاتيكان عن النية للدعوة لمصل هذا المجمع. وإنّ حدث هذا المجمع، فإنّ قراراته لا يعلنها البابا، وإنما يعمل المشاركون فيه على وثائق ودساتير لمدة سنوات.
ثالثًا، سأتكلم عن بعض ما نسب إلى البابا في هذا المقال.
مثل أوّل، رمزيّة قصة آدم وحواء.
 هناك قاعدة في دراسة الكتاب المقدس وهي: "كلّ شيء صحيح، ولكن ليس كلّ شيء حقيقيّ". والمغزى من هذه القاعدة هو الحقائق الروحيّة وليس واقعيّة الحدث. ومن الممكن العودة إلى التعليم المسيحيّ للكنيسة الكاثوليكيّة لمعرفة رأي الكنيسة الكاثوليكيّة في هذا الموضوع.
أمّا ما ضايقني في هذه النقطة، هو وقوف إيمان بعضهم على واقعيّة القصة أو عدمها. إنّ إيماننا المسيحيّ هو إيمانٌ بشخصٍ حيٍّ هو يسوع المسيح المخلص ابن الله المتجسد المصلوب القائم من أجلنا لمغفرة خطايانا ودعوتنا لنكون أبناء الله بالتبني.
مثل ثانٍ، عدم وجود جهنم.
 إنّ أحدًا لم يعد من هناك ويقول لنا. هذا ما كتبه صاحب المزامير. نعم لا يمكننا الجزم بوجود أو عدم وجود جهنم ماديّة للعذاب. إلا أن جهنم تعني الانفصال عن الله، وعدم الدخول إلى العرس أي الحياة الأبديّة. ولكن جهنم هي دليل على محبة الله وليس العكس. فالله الذي خلقنا بدون إرادتنا لا يستطيع أن يخلصنا بدون إرادتنا. فالله يحترم حرية الإنسان، وذلك بسبب محبته. فإذا كنت أنا رفضت الله، ورفضت الحياة معه، أي رفضت الحياة الأبديّة، لا يمكن لله أن يجبرني على قبوله ومحبته.
وأمّا تعليقي على هذه النقطة فهو هل نعبد ونحب الله خوفًا من جهنم والعذاب؟ هل نفعل الخير طمعًا في الجنة؟ فلنتحد إذًا بمن قالت: ربي إذا كنت أعبدك طمعًا في الجنة فاحرمنيها، وإذا كنت أعبدك خوفًا من نار جهنم فاحرقني فيها، أمّا إذا كنت أعبدك حبًا فيك فلا تحرمني من رؤية وجهك.
مثل ثالث، جميع الأديان صحيحة لأنّ الحقيقة نسبيّة ولا وجود لحقيقة مطلقة.
إنّ الكنيسة الكاثوليكيّة لا تنفي إمكانيّة الخلاص لجميع البشر. ولكن بالنظر لما قيل في هذه النقطة، نجد إثبات يتضاد مع ذاته. فلسفيًّا وعقليًّا. إذا كانت الحقيقة هي نسبيّة، فهذا يعني عدم وجود حقيقة مطلقة. وإذا لم تكن هناك حقيقة مطلقة، فلا وجود للحقيقة كمبدأ أصلاً. وهذا يتنافى مع سعي الإنسان الدائم إلى الحقيقة المطلقة كسعي، كذلك يعني عدم وجود الله لأنّ الحقيقة المطلقة هي الله.
وتعليقيّ الشخصيّ ليس لومًا، فأنا ممن يريدون خلاص الجميع، ولكن يجب علينا أن نفكر في كل مقولة وإثبات لفهمها بطريقة صحيحة.
مثل رابع وأخير، الكتاب المقدس أصبح قديمًا والله يتطور عبر الزمن.
إنّ الكتاب المقدس ليس كتاب جغرافيا تتغير أو تاريخ يتطور أو علم ينقض. إنّ الكتاب المقدس هو كتاب حياة وكتاب روحيّ. أمّا تطور الله، فهذه المقولة تناقض ذاتها أصلاً. فالله هو الكائن، الكائن الكامل المطلق، طبقًا لما يراه الملحدون والمؤمنون سواء. الكمال يعني الثبات، لأنّ الحركة والتطور والتغيير تعني أنّ هذا الكائن ليس كامل في هذه النقطة لذلك هو ينطلق لنقطة أو مرحلة أخرى. لذلك فإنّ هذه المقولة تناقض ذاتها. أمّا من يجيب هذه النقطة الفلسفيّة بمثال تغير الله في الكتاب المقدس أو تغير دعوتنا في الحياة، فنجيبه بأنّ هذه التغيرات هي تطور فهمنا لله بسبب محدوديّتنا وعدم استيعابنا لكماله.
أكتفي هنا بالتعليق على هذا المقال، وأنتقل إلى تأثير الفلسفات والأفكار التي نتعرض لها على إيماننا وفهمنا. نحن لسنا فقهاء في كلِّ تعاليم ديننا، ولا نستطيع أن نجيب على كلِّ أسئلتنا لذواتنا. فلماذا لا نسأل ونتعلم وندرس. نعم، نحن في عصر جديد، ولكن علينا ألا نثق في كذب الحيّة القديمة، من أفكار جديدة تزعزع إيماننا أو تذهب بنا إلى تأليه ذواتنا، أو تدعونا إلى الذهاب إلى فلسفة أو دين أو بدعة أو لا دين أو إلحاد، وهي نصفها فقط حقيقيّ دون البحث والتساؤل والتنقيب والتمحيص والقراءة.


Wednesday, September 25, 2013

رحمة...

يوم آخر من أيامي في القاهرة مرّ. يومٌ مثقل بأفكارٍ ومملوءٌ بأحلامٍ ومزيّنٌ بأوقاتٍ ممتعةٍ. كنت أفكر في اجتماع الصلاة اليوم، والقراءة التي تأملنا فيها "دعوا الأطفال يأتون إليَّ". كنت أحلم بالمقال الجديد الذي سأكتبه حول أهميّة الفلسفة وعلاقتها بتقدم الشعوب. كنت أسترجع لحظات ممتعة قضيتها اليوم مع كلِّ من أحب. وكعادتي في نهاية كلِّ يومٍ، قبل عودتي إلى المنزل، ذهبت إلى المقهى. فوجدت مجموعة كبيرة من الأصدقاء منشغلين كعادتهم، بين الحوار عن السفر، أو كرة القدم، وبين لعب الألعاب الإلكترونيّة. ولكنّي فضلت الجلوس خارج الدائرة، فانضم لي صديقين، وما أن مسكت هاتفي المحمول لأكتب نقاط رئيسيّة سأستخدمها في مقالي، حتى ظهرت رحمة. رحمة فتاة صغيرة في الخامسة من عمرها. رحمة بائعة مناديل بالوراثة. رحمة لا تحب المدرسة. رحمة تلبس لباسًا واحدًا صيفًا وإذا جاء الشتاء تُدخل يديها داخله. رحمة لا تعرف هل اسمها هو رحمة أم شيماء. رحمة لا تحلم. رحمة تريد أن تصبح بائعة مناديل حين تكبر. رحمة لا تعرف أين أبوها بعد خروجه من السجن، الذي دخله لأنّه قطع يد أحدهم. رحمة أرادت أن تلعب بهاتفي المحمول، لعبة هي ادخال كلمة السرّ لفتح الهاتف. رحمة رأت صورة المصلوب على شاشة الهاتف، فطلبت أن يكلمها. رحمة لها أخ، اسمه لالا. رحمة أرادت أن تشرب مشروب العناب البارد. رحمة خافت عندما رأت خالتها التي قالت لها: "عاملينك بني آدمة ومقعدينك على كرسي وطلبنلك عناب كمان".
طلب لها صديقي العناب. سألتها ماذا تريدين أن يقول المصلوب لكِ، وأنا أفكر في كلمة "أحبكِ". هل تعرف أصلاً لفظ الحبّ؟ هل كان سيقول إن لم تقبلوا ملكوت السماوات مثل هؤلاء لن تدخلوه؟ حاولت أن أرد على خالتها وأقول لها أن رحمة "بني آدمة". شكر صديقي الله على ما عنده. وسألت أنا نفسي، لماذا؟ لماذا هناك مثل رحمة الكثيرون؟ هل رحمة هي نتاج المجتمع؟ أم النظام؟ أم الثورة؟ أم التعليم؟ أم الدين؟ أم الجهل؟ أم هي نتاجنا نحن، أنا وأنت؟

مضت رحمة في طريقها. ورجعت أستمع لترتيبات السفر من مجموعة الأصدقاء. ثم ركبت سيارتي المكيّفة ووصلت إلى بيتي، وجلست إلى الكمبيوتر أكتب هذا المقال وأفكر في مقالي الآخر... وفي رحمة.

Monday, August 26, 2013

ماذا لو (1)

السؤال الأشهر عند كلِّ من يحاول إعمال عقله وتأمل الأحداث بطريقةٍ مختلفة هو سؤال "ماذا لو؟". "ماذا لو؟" هو سؤال يفتح أفاق التفكير ومنه تأتي أفكار عن عوالم موازيّة تجري فيها الأمور بطريقةٍ غير ما هي عليها في الواقع. أطرح الآن واحدًا من أسئلة "ماذا لو؟"
ماذا لو أتى يسوع الناصريّ مسيحًا كما تخيله اليهود، ملكًا لأنّه من نسل داود، غنيًا حيث المال هو علامة رضى الله عن عبيده في المجتمع اليهوديّ، ليس متألماً لأنّه إنسانٌ بارٌ أو بالأحرى الإله المتجسد الذي لا يمكن أن يعرف الآلام، ثائرًا متمردًا يرد الملك لإسرائيل...الخ. يبقى الصلب والموت والقبر والقيامة التي لا يمكن تجاهلها في السيناريو المتخيل، وأفرض في تخيلي أنّه صلب ومات بسبب تمرده على الحكام الرومانيّين، ثم قام لأنّه إله.
لو كان يسوع ملكًا غنيًا، لما كان سيرفض من اليهود، ولما كنا سنسمع عبارة "لا ملك علينا إلا قيصر".
لو كان يسوع ثائرًا متمردًا يرد الملك لإسرائيل، لما كان سيواجه مشاكل واضطهادات الفريسيّين والصدوقيّين وغيرهم.
لو لم يكن يسوع متألماً، لآمن به يهود العالم كلّه، وربما أصبح الإيمان به واجبًا وطقسًا وعقيدةً يهوديّة أصيلة وأساسيّة.
ولكن لننظر بعض الجوانب الأخرى...
لو كان المسيح غنيًا، لما كان مقنعًا لكلِّ فقيرٍ يعاني في هذه الدنيا... فما كان سيكون إله الفقراء...
لو كان المسيح ملكًا، لما كان مسيحًا عالميًّا لكلِّ إنسانٍ، بل كان سيكون مسيح اليهود فقط... فما كان سيكون إله جميع الأمم...
لو كان المسيح ثائرًا متمردًا يرد الملك لإسرائيل، لما كانت العبادة تصير عبادة الروح والحق... فما كان سيكون إله الروح والحق...
لو لم يكن المسيح متألماً، لما كان سيقنع الإنسان الذي يجابه الألم، لما كان إله الخليقة التي تئن لانفصالها عن الله... فما كان سيكون إله البشريّة...
لو لم يمت المسيح ويقوم، فكيف لو أن يتسلط على الطبيعة والشر والموت... فما كان سيكون إله الأحياء...
ولكنّ الناصريّ كان فقيرًا متواضعًا معلمًا متألماً خادمًا بارًا... وملكًا غنيًا ثائرًا متمردًا قائمًا...
كان الناصريّ ملكًا وربًّا... ومملكته ليست من هذا العالم...
كان الناصريّ غنيًا... وغناه هو الذي يغني كلَّ إنسانٍ روحيًّا وماديًّا...
كان الناصريّ ثائرًا متمردًا... وثورته هي ثورة القلوب، ثورة المحبة، ثورة ضد الطقوس والسيطرة والهيمنة...
كان الناصريّ مسيحًا للعالم كلِّه وللبشريّة جمعاء وليس لطائفة أو دين معين...
كان الناصريّ بارًا وقبل رفض الإنسان له لأنّه عاش بالمحبة...
كان الناصريّ متألماً... وأعطى الألم معنى، تجلٍ ومخاض قيامة تعطي الحياة...
ماذا لو أتى يسوع الناصريّ مسيحًا كما تخيله وانتظره اليهود؟؟؟ لما كان الله حقيقة!

سامر حنّا
26/8/2013


Friday, August 23, 2013

ضرورة!

ما أن يبدأ الإنسان التفكير حتى يفكر في النهاية، اللانهاية، الما بعد النهاية.
يظهر هذا جليًّا من الأرقام. الأرقام هي حقائق رياضيّة، ولا نهائيتها هي حقيقة يدركها العقل سريعًا. مثلاً: + 1 = . فما بدأ 1 + 1 = 2، لا يلبث أن يستمر إلى اللامتناهيّ.
ومن هذه الحقيقة الرياضيّة ندرك وجود ما يسمى لا نهاية. هذه اللانهاية (اللامحدوديّة) تطارد الإنسان في كلّ تفكيره وليس في الأرقام فقط. وذلك بسبب إدراك الإنسان لا محدوديته. هذا الإدراك يدفعه لا إراديًّا للتفكير في غير المحدود، سواء كان هذا غير المحدود هو هدفه كإنسان وسعيه الطبيعيّ أو اللجوء لكائن هو غير محدود، هذ الكائن الذي يسميه الجميع الله. والحل الثاني يبدو أكثر منطقيّة ليس فقط بسبب محدوديّة الإنسان التي تظهر أكثر ما تظهر في نهايته أي الموت، بل أيضًا بسبب حقيقة وجود لا نهاية.
أمّا سعي الإنسان الأساسيّ طوال تاريخه هو سعيه إلى الحقيقة. هذ السعي لم ولن ينتهي ما دام للإنسان وجود. هذا السعي يدل أول ما يدل على وجود ما نسميه الحقيقة. وهذه الحقيقة لم يصل إليها الإنسان. وصل الإنسان إلى حقائق رياضيّة، فلسفيّة، طبيعيّة...الخ. ولكن هذه الحقائق ليست ثابتة بل تتغير... أي إنّها ليست الحقيقة. لذلك لابد من وجود حقيقة ثابتة مطلقة غير محدودة لانهائيّة، هذه الحقيقة يسميها الكثيرون الله.
هذه الحقيقة التي لم يصل إليها الإنسان، إذا كانت غير محدودة فلا يمكن للإنسان المحدود أن يصل إليها، وهذا ما يتضح لنا خلال رحلة البشريّة على هذا الكوكب. وإذا كان الإنسان يظل يبحث عنها ولم يصل، فلابد لهذه الحقيقة غير المحدودة أن تظهر هي للإنسان، وهي ما تسميه الأديان الوحي، وما تسميه بعض الفلسفات الإشراق...الخ.
كذلك لا يمكن إنكار سعي الإنسان الدائم إلى الكمال والامتياز. سعيٌ دؤوبٌ إلى التفوق، الوضوح، سعيٌ متواصلٌ ليكون الأول، المعروف، الأعلى، الأنجح، الأقوى، الأصلح... المطلق!!
ولأنّ الإنسان محدودٌ، محدودٌ بطبيعته، بجسد، بإمكانيّاته، باختيارات الآخرين، بالموت، لا يمكنه الوصول إلى هذا الامتياز أو الكمال... وحده!
إنّما هذا السعي الدائم لدى الإنسان، يدل على إدراكه إمكانيّة بلوغ هذا الكمال ككائن وعلى وعيه أنّ ثَمَّة كائن كامل.
يبقى لنا أن نذكر أعمق رغبات الإنسان. وهي، مهما نقبنا، رغبة واحدة عميقة داخل كلِّ إنسان... هي الحبّ. رغبة متواصلة أن يُحِّب ويُحَّب. ولأنّ لا يوجد إنسانٌ، أو أي خليقة أخرى، يشبع كاملاً هذه الرغبة، نصل إلى وجود كائن يستطيع مثل هذا الإشباع. كائن يجب أن يكون مصدر الحب، بل هو الحب.
من كلِّ رغبات الإنسان هذه، نستنتج وجود كائن ما هو الحقيقة والكمال واللانهائيّة والحب.
هذا الكائن هو ما نسميه الله.
وكما سبق فلابد لهذا الكائن أن يظهر للإنسان لأنّ الإنسان بمحدوديّته وسعيه الدائم لم ولن يصل إلى هذا الكائن. السؤال هنا كيف يمكن لهذا الكائن، الحقيقة أن يصل إلى الإنسان؟ كما ذكرنا سابقًا هناك بعض التجليات التي من الممكن تسميتها الوحي أو الإشراق. ولكن لندرك كيف يمكن أن يتجلى هذا الكائن، يجب أن ننظر إلى الإنسان وتكوينه.
هذا الإنسان هو قمة الكائنات على هذا الكوكب، فهو يجمع في ذاته كلَّ مستويات الحياة. فنجد فيه المستوى الماديّ، والنباتيّ، والحيوانيّ، وأخيرًا الإنسانيّ أو الروحيّ.
ولتتجلى هذه الحقيقة إلى هذا الإنسان، لابد لها أن تخاطبه على جميع مستوياته، ولابد لها أن تشبع فيه جميع هذه المستويات.
وإذا فكرنا مثلاً في حبيبين، أحدهما، الحبيب مثلاً، في مصر، والحبيبة في أمريكا. ويريد الحبيب أن يعبر للآخر عن عمق حبه. قد يرسل رسائل، هدايا، أشخاص، وغير ذلك. ولكنّ كلّ هذا لا يعبر عن عمق الحب ولا يشبع المحبوبة كاملاً على جميع مستوياتها. فيبقى الحل الوحيد وهو أن يأتي الحبيب طائرًا بكامله، بإنسانيّته، بعواطفه، بجسده، بكلِّ مستوياته إلى المحبوبة.
ولذلك إذا أرادت الحقيقة المحبة اللانهائيّة أن تكشف ذاتها للإنسان، فلا تكفي الرسائل، الكتب، الإشراقات، الأشخاص، وكلّ هذا، ولكنّ الحل الوحيد إشباع الإنسان على كلّ مستوياته، هو أن تظهر هذه الحقيقة لهذا الإنسان على مستواه، مثله. الحل الوحيد هو أن تظهر الحقيقة في شخص.
شخصٌ هو الحقيقة واللامحدوديّة والحبّ في جسد. الحل الوحيد أمام الحقيقة هو التجسد.
لذلك إذا لم يظهر من يشبع الإنسان في جسدٍ بعد، فلابد له أن يظهر، وإلا فلا وجود للحقيقة ولا وجود للحب. وهو المستحيل بذاته!
لننظر إذًا في تاريخ البشريّة ونبحث عن المحبة والحقيقة المتجسدة في إنسانٍ.
نعم، ليكون الله هو الله، ليكون هو الحقيقة، ليكون هو الحبّ، يجب عليه أن يتجسد. وتاريخ البشريّة يرينا شخصًا واحدًا هو إنسان، إنسان حقيقيّ كامل، هو محبة إلى المنتهى. هذا الشخص يدعى يسوع الناصريّ الذي يقال له المسيح.

سامر حنّا
23/8/2013