Showing posts with label arabic. Show all posts
Showing posts with label arabic. Show all posts

Wednesday, January 08, 2014

عصر جديد - تعليق شخصيّ على الأقوال المنسوبة للبابا فرنسيس

نحن في عصر "تحطيم أصنام" جديد... وقد دخلنا هذا العصر عندما بدأ الشباب يجاهرون بأفكارهم ومعتقداتهم، بدأت بشكهم في تعاليم تعلموها قديمًا... وخطر هذا العصر هو عدم التفكير مليًا في كلِّ ما يعرض علينا من أفكار وفلسفات جديدة، قد تبدو شهيّة ومقنعة جدًا... في حين إنّها لا تختلف عن غواية الحيّة قديمة، نصفها فقط حقيقيّ والنصف الآخر كذب! ومن المعروف في قواعد التفكير المنطقيّ، إنّ أي إثبات يناقض ذاته، أو يحتوي على خطأ هو إثباتٌ خاطئ غير صحيح.
هذا العام شهد انتخاب بابا جديد كخليفة لبطرس على كرسي روما. ومنذ اللحظة الأولى التي ظهر فيها البابا الجديد، عرف الجميع اختلافه. فاختلافه بدأ باختياره اسم "فرنسيس" ليكون أول بابا يحمل هذا الاسم، وبظهوره منحنيًا أمام شعبه، ووضح في ملابسه وسيارته وعاداته، وتجلى في تصريحاته المحبة والمتسامحة على غرار سيده ومعلمه يسوع المسيح.
إلا أنّ كثيرين أساؤوا فهمه في كثير من الأحيان، مما سبب بعض الرفض له من بعض المؤمنين، والكثير من التشويه من غير المؤمنين. البابا ليس سوى مسيحيّ يحاول الاحتذاء بالمعلم الأوّل يسوع المسيح. فمثلاً نجد في أعماله محبة وشفقة ورحمة للفقراء والمرضى والضعفاء، ونجد تسامح مع الخاطئين والشواذ وغيرهم. إلا أنّ هذا التسامح، الذي أسيء فهمه، ليس إلا تقليد للرب الذي يحب ويسامح الخاطئ ويبغض الخطيئة ولا يتساهل معها.
أمّا بخصوص الأقوال المنسوبة إليه مؤخرًا، فأريد توضيح أكثر من نقطة.
أولاً، المقال نُشر في مدونة تعلن صراحةً أنّها للمتعة الشخصيّة وليست حقيقيّة مئة بالمئة.
ثانيًا يدعي صاحب المقال إنّه تم عقد مجمع فاتيكانيّ ثالث، وهذا لم يحدث. ولم يعرب الفاتيكان عن النية للدعوة لمصل هذا المجمع. وإنّ حدث هذا المجمع، فإنّ قراراته لا يعلنها البابا، وإنما يعمل المشاركون فيه على وثائق ودساتير لمدة سنوات.
ثالثًا، سأتكلم عن بعض ما نسب إلى البابا في هذا المقال.
مثل أوّل، رمزيّة قصة آدم وحواء.
 هناك قاعدة في دراسة الكتاب المقدس وهي: "كلّ شيء صحيح، ولكن ليس كلّ شيء حقيقيّ". والمغزى من هذه القاعدة هو الحقائق الروحيّة وليس واقعيّة الحدث. ومن الممكن العودة إلى التعليم المسيحيّ للكنيسة الكاثوليكيّة لمعرفة رأي الكنيسة الكاثوليكيّة في هذا الموضوع.
أمّا ما ضايقني في هذه النقطة، هو وقوف إيمان بعضهم على واقعيّة القصة أو عدمها. إنّ إيماننا المسيحيّ هو إيمانٌ بشخصٍ حيٍّ هو يسوع المسيح المخلص ابن الله المتجسد المصلوب القائم من أجلنا لمغفرة خطايانا ودعوتنا لنكون أبناء الله بالتبني.
مثل ثانٍ، عدم وجود جهنم.
 إنّ أحدًا لم يعد من هناك ويقول لنا. هذا ما كتبه صاحب المزامير. نعم لا يمكننا الجزم بوجود أو عدم وجود جهنم ماديّة للعذاب. إلا أن جهنم تعني الانفصال عن الله، وعدم الدخول إلى العرس أي الحياة الأبديّة. ولكن جهنم هي دليل على محبة الله وليس العكس. فالله الذي خلقنا بدون إرادتنا لا يستطيع أن يخلصنا بدون إرادتنا. فالله يحترم حرية الإنسان، وذلك بسبب محبته. فإذا كنت أنا رفضت الله، ورفضت الحياة معه، أي رفضت الحياة الأبديّة، لا يمكن لله أن يجبرني على قبوله ومحبته.
وأمّا تعليقي على هذه النقطة فهو هل نعبد ونحب الله خوفًا من جهنم والعذاب؟ هل نفعل الخير طمعًا في الجنة؟ فلنتحد إذًا بمن قالت: ربي إذا كنت أعبدك طمعًا في الجنة فاحرمنيها، وإذا كنت أعبدك خوفًا من نار جهنم فاحرقني فيها، أمّا إذا كنت أعبدك حبًا فيك فلا تحرمني من رؤية وجهك.
مثل ثالث، جميع الأديان صحيحة لأنّ الحقيقة نسبيّة ولا وجود لحقيقة مطلقة.
إنّ الكنيسة الكاثوليكيّة لا تنفي إمكانيّة الخلاص لجميع البشر. ولكن بالنظر لما قيل في هذه النقطة، نجد إثبات يتضاد مع ذاته. فلسفيًّا وعقليًّا. إذا كانت الحقيقة هي نسبيّة، فهذا يعني عدم وجود حقيقة مطلقة. وإذا لم تكن هناك حقيقة مطلقة، فلا وجود للحقيقة كمبدأ أصلاً. وهذا يتنافى مع سعي الإنسان الدائم إلى الحقيقة المطلقة كسعي، كذلك يعني عدم وجود الله لأنّ الحقيقة المطلقة هي الله.
وتعليقيّ الشخصيّ ليس لومًا، فأنا ممن يريدون خلاص الجميع، ولكن يجب علينا أن نفكر في كل مقولة وإثبات لفهمها بطريقة صحيحة.
مثل رابع وأخير، الكتاب المقدس أصبح قديمًا والله يتطور عبر الزمن.
إنّ الكتاب المقدس ليس كتاب جغرافيا تتغير أو تاريخ يتطور أو علم ينقض. إنّ الكتاب المقدس هو كتاب حياة وكتاب روحيّ. أمّا تطور الله، فهذه المقولة تناقض ذاتها أصلاً. فالله هو الكائن، الكائن الكامل المطلق، طبقًا لما يراه الملحدون والمؤمنون سواء. الكمال يعني الثبات، لأنّ الحركة والتطور والتغيير تعني أنّ هذا الكائن ليس كامل في هذه النقطة لذلك هو ينطلق لنقطة أو مرحلة أخرى. لذلك فإنّ هذه المقولة تناقض ذاتها. أمّا من يجيب هذه النقطة الفلسفيّة بمثال تغير الله في الكتاب المقدس أو تغير دعوتنا في الحياة، فنجيبه بأنّ هذه التغيرات هي تطور فهمنا لله بسبب محدوديّتنا وعدم استيعابنا لكماله.
أكتفي هنا بالتعليق على هذا المقال، وأنتقل إلى تأثير الفلسفات والأفكار التي نتعرض لها على إيماننا وفهمنا. نحن لسنا فقهاء في كلِّ تعاليم ديننا، ولا نستطيع أن نجيب على كلِّ أسئلتنا لذواتنا. فلماذا لا نسأل ونتعلم وندرس. نعم، نحن في عصر جديد، ولكن علينا ألا نثق في كذب الحيّة القديمة، من أفكار جديدة تزعزع إيماننا أو تذهب بنا إلى تأليه ذواتنا، أو تدعونا إلى الذهاب إلى فلسفة أو دين أو بدعة أو لا دين أو إلحاد، وهي نصفها فقط حقيقيّ دون البحث والتساؤل والتنقيب والتمحيص والقراءة.


Monday, December 02, 2013

لحظة أبدية...

ماذا لو... ماذا لو وُلدت في مكانٍ آخر... ماذا لو عشت في زمنٍ آخر... ماذا لو كنت أذكى أو أجمل أو أطول... ماذا لو عاد بيَّ الزمن إلى تلك اللحظة... ماذا لو نعيش في مجتمعٍ نسائي... ماذا لو فاز هتلر في الحرب العالمية الثانية... ماذا لو لم يفكر نابليون في اقتحام روسيا... ماذا لو لم يخطئ آدم... ماذا لو؟!
إن عقل الإنسان لا يكف عن طرح هذا السؤال في كل زمانٍ ومكانٍ... سؤال "ماذا لو" الذي يبدأ من تساؤلٍ شخصيٍّ باحثٍ عن تغيير تاريخٍ فرديٍّ إلى تساؤلٍ عام يحاول السيطرة على تاريخ الجماعة والبشرية...
يرجع هذا التساؤل إلى محاولات الإنسان الدائمة للسيطرة على الزمن... وﻷنه يعجز عن قراءة المستقبل، فسرعان ما يسافر عقله إلى الماضي ليرسم صوراً أخرى تبدو له أكثر منطقية وإقناع... والنتيجة لا تتغير، فلا يمكن العودة لتغيير الماضي، ومستحيل الذهاب لتحقيق المستقبل. 
إلا أن الماضي والمستقبل هما أمران نسبيان... فلحظة كتابة أول كلمة في هذا المقال هي ماضٍ، وكتابة أخر نقطة هي مستقبل... أما الحقيقة الوحيدة هي هذه "الكلمة".
الحقيقة هي حاضر... حاضر دائم يُعاش بوعيٍ... الحقيقة هي هنا واﻵن... وإذا انطلقنا من هذه النتيجة وحاولنا تطبيقها على إنسانيتنا، نعجز... ﻷنّ كلَّ ما حولنا متغير... اﻷماكن، اﻷزمنة، اﻵخرون، ظروفنا، عقلنا، مشاعرنا، كل ما سبق متغيرات تجعلنا نعجز عن القبض على الحاضر... فمن منا لم يفكر في القبض على اللحظات التي عاش فيها حرية وفرح وحب وسلام، وتمنى ألا تنتهي... فنحن نريد إيقاف الوقت على أجمل لحظات حياتنا، ولا نستطيع! 
وإذا كانت الحقيقة هي حضور، ولمحدوديتنا لا نستطيع الحضور المطلق، وجب وجود حقيقة مطلقة خارج الزمان والمكان حاضرة دائمة... وهذا الحضور الدائم لا يتغير بمرور الوقت وتغير المكان، ﻷن الحقيقة ليست في الزمان ولا في المكان... مثل مركز الدائرة، لا يتغير وإن تغيرت النقاط على محيطها... هذا المركز الثابت هو المطلق... هو الله... هو حضور دائم وكامل وثابت ﻷجمل ما قد نحيا، الفرح والحرية والحب والسلام... هو الحياة...
والحياة في قلب الله، هي حياة الحضور... هي حياة خارج الزمن والمكان... هي اختصار اﻷبدية في لحظة، وامتداد اللحظة في اﻷبدية... لذلك هي ما لم تره عين، لم تسمعه أذن، لم يخطر على قلب بشر... 
هذه اﻷبدية هي اختيار شخصيّ، يبدأ باختبار... اختبار حياة الملء... حياة الحضور... حياة التجدد...
ولهذا فإن أحلى نعم الله على الإنسان هي تجدد اﻷيام وفي ذات الوقت معدوديتها... 
لجعل كل يوم من هذه اﻷيام... أبدية!

Wednesday, October 09, 2013

جناحان

"حيث ينتهي العلم، تبدأ الفلسفة. وحيث تنتهي الفلسفة، يبدأ الإيمان".
أتذكر حين سُئلت عن هذه المقولة، ومدى اتفاقي أو رفضي لها. كان هذا في بدايات دراستي الفلسفيّة. وأتذكر مناقشتي لموضوع العقل والإيمان في نهايات دراستي. ولذلك قررت أن أكتب في هذا الموضوع... وفي البدء يجب توضيح لماذا أوافق على العبارة السابقة وذلك بتوضيح ما هو المقصود بها.
يختلف الكثيرون حول موضوع العقل والقلب ويظنون أنهما متضادان، كما يختلفون أيضًا حول العقل والإيمان أو العلم والدين أو الفلسفة والوحي... كما اختلف الفلاسفة والعلماء فيما بينهم أيضًا، فهناك منهم من لا يؤمن سوى بما هو علميّ ومثبت، وآخرون يجدون في كلِّ علمٍ تجلٍ لله.
ولمناقشة المقولة السابقة، أدعو نفسي وأدعوكم لمشاهدة أي ظاهرة... هطول الأمطار مثلاً... في مواجهة ظاهرة مثل تساقط الأمطار، يختلف رد فعل الإنسان. فالإنسان العادي قد يتساءل عن الطقس وأحواله وتقلباته. أمّا العالم فيتساءل عن كيفيّة تساقط الأمطار، فيرى في هذه الظاهرة تصادم السحب وتكاثف المياه ودرجات حرارة وارتفاعات. ويأتي الفيلسوف ليسأل لماذا؟ بعد أن يتساءل كيفـ ويرى أهميّة الأمطار للصحاري والجبال والبحار والأنهار والنباتات والحيوان والإنسان. ولكنّه يصطدم بهذا النظام المحكم المستمر منذ الأزل وإلى الأبد، ولا يجد تفسيرًا لها، فبعد أن فسّر الكيف وتساءل عن اللماذا، يقف! وهنا يأتي دور الإيمان، فالمؤمن هو الذي يتأمل في كلِّ هذا، فبعد أن يسأل عن الطقس والكيفيّة والسببيّة، يتأمل هذه اللحظة، هذا الإبداع، هذا النظام، فيجد فيه عظمةَ خالقٍ... خالقٌ لا يغفو ولا ينام، لا يسهو عن أيٍ من مخلوقاته، من صحاري وجبال وبحار وأنهار ونبات وحيوان وإنسان... خالقٌ يعطي المعنى، بل هو المعنى...
وإذا أردنا تعميم الظاهرة السابقة، نجد الحقائق العلميّة غير مطلقة، فمنذ البدء وإلى الآن لم ولن يكف الإنسان عن الاكتشاف... ما يبدأ من جسده ويمتد غير متناهٍ في الكبر وغير متناهٍ في الصغر. والفلاسفة لم ولن يكفوا عن التساؤل عن السبب الواقع خلف كلِّ الظواهر القريبة والبعيدة، الصغيرة والكبيرة، الفيزيائيّة والميتافيزيقيّة...
أمّا القديس فهو من يدرك عقله وقلبه... يبحث عن الكيف واللماذا ويتأمل في نقل الجبال... يدرك حاضره ويعيشه... يدعو عقله للبحث في التاريخ والمستقبل والأبديّة... ويتسمع إلى قلبه في لحظته الحاضرة ويعيشها... يتأمل في ذاته ومحدوديته، وفي كيانه ووجوده وكماله... يعرف أنّه يعطي الحياة... ومعطى حياته... هذا القديس لا ينكر عقله وعدم استيعابه، ولا ينفي قلبه وعدم ثباته، ولكنّه يتمسك بإرادته... اختياره الإيمان، بذاته ووجوده قبل كلِّ شيءِ... ولو كان الإيمان فعلاً عقليًّا لكان كلُّ إنسانٍ مؤمنًا أو غير مؤمنٍ... وإذا كان فعلاً قلبيًّا فقط لما تبدل شعور الإنسان... إنّما الإيمانُ إرادةٌ، إرادة توحد العقل والقلب، فتسأل الكيف واللماذا وتتأمل وتعجب بل تؤخذ بالعظمة والجمال والإبداع...
أستطيع أن أستطرد في آراء الفلاسفة والعلماء بين مؤيد ومعارض، ومؤمن وغير مؤمن... ولكنّي أنهي بقول البابا يوحنا بولس الثاني: "الإيمان والعقل جناحان يحلق بهما الإنسان لبلوغ الحقيقة".

سامر حنّا

9 أكتوبر 2013

Sunday, September 29, 2013

تفلسف

دائمًا ما كانت الفلسفة تُدعى أم العلوم. ويعود هذا أصلاً إلى معنى الكلمة، حيث الأصل اليونانيّ هو "فيلوصوفيا"، "فيلو" تعني الحبّ، ولكن ليس الحب الرومانسيّ، و"صوفيا" تعني الحكمة، والحكمة في ذاك العصر كانت تعني المهارة في عمل أو صنع الشيء. ودائمًا ما كان الفيلسوف ملمًا بكلِّ المجالات، فلا ننسى جملة أفلاطون على باب أول أكاديميّة في العالم: "لا يدخل علينا من لم يكن مهندسًا". كذلك الفلسفة تشمل المنطق والأخلاق والسياسة ومجالات أخرى عديدة. وإذا أردنا تحديد عمّا تبحث الفلسفة، نجدها تبحث أولاً وأخيرًا عن السعادة، الحقيقة، ملتمسةً إياهما عن طريق التساؤل الدائم، تساؤل عن العالم، والإنسان، والمطلق أو الله.
مما سبق يتراءى لنا أهميّة الفلسفة في تاريخ البشر للوصول إلى التقدم العلميّ، والحقيقة، والدين، والسياسة... إلخ. ولا يجب أن نفصل الفلسفة وتغيراتها عن الفن، فدائمًا ما كان الفن يعبر عن واقع معيش أو أفكارٍ جديدة. ويمكننا أن نقول إنّ الفنون هي الفلسفة متجسدة.
والآن إذا نظرنا إلى تاريخ الشعوب، فلا يمكن أن نجد أمّة متقدمة بلا فلسفة، من حضارتي الفراعنة وما بين النهرين، إلى الحضارة الإغريقيّة والهلينيّة، إلى روما والجمهوريّة، إلى عصور العرب الذهبيّة التي نجد فيها الفارابي وابن سينا وابن رشد وآخرين، إلى عصر النهضة والكاتدرائيّات الضخمة والتي تجسد تحوّل المركزيّة من المطلق إلى الإنسان، إلى موت الله مع نيتشه وبزوغ الإنسان السوبرمان، المتقدم، الطائر، الغواص، الذي يسهر، لا يغفو ولا ينام، الذي يسعى بلا كلل إلى الخلود...
ولنلقِ نظرةً الآن على مصر والعالم العربيّ، هل نرى تقدم في العلم؟ في الفن؟ في الموسيقى؟ في الرسم؟ في الكتابة؟ في الغناء؟ الإجابة هي لا... والسؤال هو لماذا؟
نعم، لأنّنا لا نتفلسف... لا نحدد المفاهيم. لا نفكر منطقيًّا. لا نخرج خارج ذواتنا وأفكارنا. لا نترك لخيالنا العنان. لا نقفز قفزة إيمان في سماء المجهول. بل ننقد ونوقف ونشتم كلَّ من يحاول إعمال عقله وكلَّ من يحاول الاستماع إلى قلبه وكلَّ من يطرح السؤال: لماذا؟ كيف لنا أن نتقدم علميًّا بدون فلسفة إذا كانت الفلسفة أم العلوم؟ كيف لفننا أن يصل إلى العالم بدون فلسفة إذا كان الفن تجسد للفلسفة؟ كيف يمكن أن نخترع بدون أن نسأل: ماذا، كيف، لماذا؟ كيف يجب أن نصل إلى الله بدون عقولنا وقلوبنا؟

قد أبدو متفلسفًا الآن... ولما لا؟!

Monday, August 26, 2013

ماذا لو (1)

السؤال الأشهر عند كلِّ من يحاول إعمال عقله وتأمل الأحداث بطريقةٍ مختلفة هو سؤال "ماذا لو؟". "ماذا لو؟" هو سؤال يفتح أفاق التفكير ومنه تأتي أفكار عن عوالم موازيّة تجري فيها الأمور بطريقةٍ غير ما هي عليها في الواقع. أطرح الآن واحدًا من أسئلة "ماذا لو؟"
ماذا لو أتى يسوع الناصريّ مسيحًا كما تخيله اليهود، ملكًا لأنّه من نسل داود، غنيًا حيث المال هو علامة رضى الله عن عبيده في المجتمع اليهوديّ، ليس متألماً لأنّه إنسانٌ بارٌ أو بالأحرى الإله المتجسد الذي لا يمكن أن يعرف الآلام، ثائرًا متمردًا يرد الملك لإسرائيل...الخ. يبقى الصلب والموت والقبر والقيامة التي لا يمكن تجاهلها في السيناريو المتخيل، وأفرض في تخيلي أنّه صلب ومات بسبب تمرده على الحكام الرومانيّين، ثم قام لأنّه إله.
لو كان يسوع ملكًا غنيًا، لما كان سيرفض من اليهود، ولما كنا سنسمع عبارة "لا ملك علينا إلا قيصر".
لو كان يسوع ثائرًا متمردًا يرد الملك لإسرائيل، لما كان سيواجه مشاكل واضطهادات الفريسيّين والصدوقيّين وغيرهم.
لو لم يكن يسوع متألماً، لآمن به يهود العالم كلّه، وربما أصبح الإيمان به واجبًا وطقسًا وعقيدةً يهوديّة أصيلة وأساسيّة.
ولكن لننظر بعض الجوانب الأخرى...
لو كان المسيح غنيًا، لما كان مقنعًا لكلِّ فقيرٍ يعاني في هذه الدنيا... فما كان سيكون إله الفقراء...
لو كان المسيح ملكًا، لما كان مسيحًا عالميًّا لكلِّ إنسانٍ، بل كان سيكون مسيح اليهود فقط... فما كان سيكون إله جميع الأمم...
لو كان المسيح ثائرًا متمردًا يرد الملك لإسرائيل، لما كانت العبادة تصير عبادة الروح والحق... فما كان سيكون إله الروح والحق...
لو لم يكن المسيح متألماً، لما كان سيقنع الإنسان الذي يجابه الألم، لما كان إله الخليقة التي تئن لانفصالها عن الله... فما كان سيكون إله البشريّة...
لو لم يمت المسيح ويقوم، فكيف لو أن يتسلط على الطبيعة والشر والموت... فما كان سيكون إله الأحياء...
ولكنّ الناصريّ كان فقيرًا متواضعًا معلمًا متألماً خادمًا بارًا... وملكًا غنيًا ثائرًا متمردًا قائمًا...
كان الناصريّ ملكًا وربًّا... ومملكته ليست من هذا العالم...
كان الناصريّ غنيًا... وغناه هو الذي يغني كلَّ إنسانٍ روحيًّا وماديًّا...
كان الناصريّ ثائرًا متمردًا... وثورته هي ثورة القلوب، ثورة المحبة، ثورة ضد الطقوس والسيطرة والهيمنة...
كان الناصريّ مسيحًا للعالم كلِّه وللبشريّة جمعاء وليس لطائفة أو دين معين...
كان الناصريّ بارًا وقبل رفض الإنسان له لأنّه عاش بالمحبة...
كان الناصريّ متألماً... وأعطى الألم معنى، تجلٍ ومخاض قيامة تعطي الحياة...
ماذا لو أتى يسوع الناصريّ مسيحًا كما تخيله وانتظره اليهود؟؟؟ لما كان الله حقيقة!

سامر حنّا
26/8/2013


Sunday, August 25, 2013

أين أنت أيها الحبيب؟

أين اختفيت عني أيها الحبيب؟
لماذا لا أجدك حولي؟
لماذا عليَّ أن أجابه كل ما أواجه؟
حتى أقرب البشر لي يتهمونني...
وأنت أين تكون؟
كيف لا تسمع أنيني؟
كيف لا ترى أوجاعي؟
أيكون ذنبي أنّي بحثت عن كمالي؟
بحثت في كل شيء... فلم أجد ذاتي إلا فيك...
لم يرتاح قلبي إلا عندما اتحد بك...
لا أجد راحتي إلا في قلبك...
فبحثت عنك... أيكون ذنبي أنّي تركت كل شيء وتبعتك؟
تبعتك وجئت إليك... فوجدتك أقرب من ذاتي إليَّ...
وجدتك ما زلت تدعوني...
مثل عبدك موسى، لم أستطع الهروب إليك... أم كان هروبًا منك؟
فأعدته إلي فرعون... إلى البيت الذي تربى فيه... وهناك رأى قوتك وواجه أعدائك...
أين أذهب منك وأنت في كل مكان؟
ولما بحثت عنك في كل مكان... وجدتك في ذاتي...
فلماذا تدير وجهك عني؟
لماذا يقف الأقربين في قبالتي؟
أين تختفي أيها الحبيب؟
أعطيني حياتك...
أعطيني اسمًا جديدًا كما فعلت مع أحبائك، يعقوب وبطرس وشاول...
أعطيني قلبًا جديدًا يعرفك كقلب داود...
أعطيني أن أراك وأؤمن مثل توما...
لا تختفي عني في هواني... بل اكشف لي جمالك...
يا من خلقتني ودعوتني...
يا من عرفتني في أحشاء أمي...
يا من تحفظني في حدقة عينك...
أين أنت؟

سامر حنّا

24/8/2013

Friday, August 23, 2013

ضرورة!

ما أن يبدأ الإنسان التفكير حتى يفكر في النهاية، اللانهاية، الما بعد النهاية.
يظهر هذا جليًّا من الأرقام. الأرقام هي حقائق رياضيّة، ولا نهائيتها هي حقيقة يدركها العقل سريعًا. مثلاً: + 1 = . فما بدأ 1 + 1 = 2، لا يلبث أن يستمر إلى اللامتناهيّ.
ومن هذه الحقيقة الرياضيّة ندرك وجود ما يسمى لا نهاية. هذه اللانهاية (اللامحدوديّة) تطارد الإنسان في كلّ تفكيره وليس في الأرقام فقط. وذلك بسبب إدراك الإنسان لا محدوديته. هذا الإدراك يدفعه لا إراديًّا للتفكير في غير المحدود، سواء كان هذا غير المحدود هو هدفه كإنسان وسعيه الطبيعيّ أو اللجوء لكائن هو غير محدود، هذ الكائن الذي يسميه الجميع الله. والحل الثاني يبدو أكثر منطقيّة ليس فقط بسبب محدوديّة الإنسان التي تظهر أكثر ما تظهر في نهايته أي الموت، بل أيضًا بسبب حقيقة وجود لا نهاية.
أمّا سعي الإنسان الأساسيّ طوال تاريخه هو سعيه إلى الحقيقة. هذ السعي لم ولن ينتهي ما دام للإنسان وجود. هذا السعي يدل أول ما يدل على وجود ما نسميه الحقيقة. وهذه الحقيقة لم يصل إليها الإنسان. وصل الإنسان إلى حقائق رياضيّة، فلسفيّة، طبيعيّة...الخ. ولكن هذه الحقائق ليست ثابتة بل تتغير... أي إنّها ليست الحقيقة. لذلك لابد من وجود حقيقة ثابتة مطلقة غير محدودة لانهائيّة، هذه الحقيقة يسميها الكثيرون الله.
هذه الحقيقة التي لم يصل إليها الإنسان، إذا كانت غير محدودة فلا يمكن للإنسان المحدود أن يصل إليها، وهذا ما يتضح لنا خلال رحلة البشريّة على هذا الكوكب. وإذا كان الإنسان يظل يبحث عنها ولم يصل، فلابد لهذه الحقيقة غير المحدودة أن تظهر هي للإنسان، وهي ما تسميه الأديان الوحي، وما تسميه بعض الفلسفات الإشراق...الخ.
كذلك لا يمكن إنكار سعي الإنسان الدائم إلى الكمال والامتياز. سعيٌ دؤوبٌ إلى التفوق، الوضوح، سعيٌ متواصلٌ ليكون الأول، المعروف، الأعلى، الأنجح، الأقوى، الأصلح... المطلق!!
ولأنّ الإنسان محدودٌ، محدودٌ بطبيعته، بجسد، بإمكانيّاته، باختيارات الآخرين، بالموت، لا يمكنه الوصول إلى هذا الامتياز أو الكمال... وحده!
إنّما هذا السعي الدائم لدى الإنسان، يدل على إدراكه إمكانيّة بلوغ هذا الكمال ككائن وعلى وعيه أنّ ثَمَّة كائن كامل.
يبقى لنا أن نذكر أعمق رغبات الإنسان. وهي، مهما نقبنا، رغبة واحدة عميقة داخل كلِّ إنسان... هي الحبّ. رغبة متواصلة أن يُحِّب ويُحَّب. ولأنّ لا يوجد إنسانٌ، أو أي خليقة أخرى، يشبع كاملاً هذه الرغبة، نصل إلى وجود كائن يستطيع مثل هذا الإشباع. كائن يجب أن يكون مصدر الحب، بل هو الحب.
من كلِّ رغبات الإنسان هذه، نستنتج وجود كائن ما هو الحقيقة والكمال واللانهائيّة والحب.
هذا الكائن هو ما نسميه الله.
وكما سبق فلابد لهذا الكائن أن يظهر للإنسان لأنّ الإنسان بمحدوديّته وسعيه الدائم لم ولن يصل إلى هذا الكائن. السؤال هنا كيف يمكن لهذا الكائن، الحقيقة أن يصل إلى الإنسان؟ كما ذكرنا سابقًا هناك بعض التجليات التي من الممكن تسميتها الوحي أو الإشراق. ولكن لندرك كيف يمكن أن يتجلى هذا الكائن، يجب أن ننظر إلى الإنسان وتكوينه.
هذا الإنسان هو قمة الكائنات على هذا الكوكب، فهو يجمع في ذاته كلَّ مستويات الحياة. فنجد فيه المستوى الماديّ، والنباتيّ، والحيوانيّ، وأخيرًا الإنسانيّ أو الروحيّ.
ولتتجلى هذه الحقيقة إلى هذا الإنسان، لابد لها أن تخاطبه على جميع مستوياته، ولابد لها أن تشبع فيه جميع هذه المستويات.
وإذا فكرنا مثلاً في حبيبين، أحدهما، الحبيب مثلاً، في مصر، والحبيبة في أمريكا. ويريد الحبيب أن يعبر للآخر عن عمق حبه. قد يرسل رسائل، هدايا، أشخاص، وغير ذلك. ولكنّ كلّ هذا لا يعبر عن عمق الحب ولا يشبع المحبوبة كاملاً على جميع مستوياتها. فيبقى الحل الوحيد وهو أن يأتي الحبيب طائرًا بكامله، بإنسانيّته، بعواطفه، بجسده، بكلِّ مستوياته إلى المحبوبة.
ولذلك إذا أرادت الحقيقة المحبة اللانهائيّة أن تكشف ذاتها للإنسان، فلا تكفي الرسائل، الكتب، الإشراقات، الأشخاص، وكلّ هذا، ولكنّ الحل الوحيد إشباع الإنسان على كلّ مستوياته، هو أن تظهر هذه الحقيقة لهذا الإنسان على مستواه، مثله. الحل الوحيد هو أن تظهر الحقيقة في شخص.
شخصٌ هو الحقيقة واللامحدوديّة والحبّ في جسد. الحل الوحيد أمام الحقيقة هو التجسد.
لذلك إذا لم يظهر من يشبع الإنسان في جسدٍ بعد، فلابد له أن يظهر، وإلا فلا وجود للحقيقة ولا وجود للحب. وهو المستحيل بذاته!
لننظر إذًا في تاريخ البشريّة ونبحث عن المحبة والحقيقة المتجسدة في إنسانٍ.
نعم، ليكون الله هو الله، ليكون هو الحقيقة، ليكون هو الحبّ، يجب عليه أن يتجسد. وتاريخ البشريّة يرينا شخصًا واحدًا هو إنسان، إنسان حقيقيّ كامل، هو محبة إلى المنتهى. هذا الشخص يدعى يسوع الناصريّ الذي يقال له المسيح.

سامر حنّا
23/8/2013